أحمد بن سهل البلخي

392

مصالح الأبدان والأنفس

لأنّ الغذاء الذي يتناوله الإنسان ربّما كان فاضلا في جوهره ، كالسمين من اللحمان ، والجيّد من الحنطة والأرزّ وأصناف الحبوب ؛ فإذا فاتته الصنعة الجيّدة في معنى الخبز والطبخ وما أشبههما ، لم ينتفع الإنسان به ، ولم تقبله الطبيعة ، ولم تستمرئه عند تناوله إياه ؛ لأنّ تمام الغذاء لمعنيين كما ذكرنا : أحدهما : نوع المغتذى به ، والثاني : صنعته . وإذا فات الغذاء أحدهما ، لم يكد ينتفع بالآخر ، إلا أنّ فوت الصنعة الجيّدة أضرّ بالغذاء من رداءة الجوهر ؛ لأنّ الشيء الرديء الجوهر من أنواع الغذاء قد يطيّبه جودة الصنعة ، حتى يصير شهيّا إلى متناولة ، والرديء الصنعة لا تميل إليه الطبيعة ، وإن كان المغتذى به / فاضل الجوهر . وإنّما صارت الصنعة أملك بالغذاء من جوهره ؛ لأنّ الحيوانات كلّها أو جلّها إنّما تغتذي بالأشياء التي هي غذاؤها - لحوما كانت أو نباتا ، أو هي على هيئتها - من غير أن يلزمها حاجة إلى طبخ أو إنضاج ، كما ترى من اغتذائها اللحوم والحشيش والشوك والتبن والحبوب كهيئتها ؛ وذلك لقوّة الآلات الغاذية منها . فأمّا الإنسان فإنّ طبيعته جعلت مخالفة لطبيعتها في هذا الباب ، فصار - للطف مزاجه ونقاء تركيبه - لا يغتذي بالشيء من اللحوم والنبات إلا بعد تهيئة الصنعة له بهيئة تمكّن معها الطبيعة أن تهضمه ؛ فإن لم يجوّد صنعته لم تمل إليه الطبيعة ولم تشتهه . فإذا لم يشته ما تناول منها لم تستمرئه ، فإذا لم تستمرئه حلّ منها محلّ الدواء في نفارها عنه ؛ لأنّ الفرق بين الغذاء والدواء إنّما هو أنّ الطبيعة تقبل الغذاء ، لمشاكلته إيّاها ، / وتنفر عن الدواء وتأباه ، لمضادّته إيّاها . فكم من شيء يحكم عليه من طريق مزاجه أنّه ضارّ للإنسان ، فإذا تناوله بقوّة شهوة له وميل له من طبيعته إليه استمراه حتى يصير له غذاء نافعا . وهذا أمر ربّما تعدّى بالأصحّاء إلى الأعلّاء « 1 » ؛ وذلك أنّهم ربّما اشتهوا في مرضهم الشيء

--> ( 1 ) في أ : الأغذاء وهو تحريف ، والصواب ما أثبت .